أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
85
عجائب المقدور في نوائب تيمور
واحد يومين فليفعلوا ذلك ، فإنه إن ظفر بهم تيمور ، بدد شملهم ، وأبادهم كلهم ، فامتثلوا ما رسم به أيدكو ، وارتحلوا ولم يلووا ، ولما علم أيدكو أن جماعته فوزوا « 1 » ، وحشمه لتيمور أعجزوا ، قال له : يا مولانا الأمير ، إن لي من الأقارب والحشم الجم الغفير ، وإنهم عضدي وجناحي ، وبصلاح معايشهم صلاحي ، ولا آمن عليهم أن يلقوا بعدي ، من توقتاميش الجور والتعدي ، بل لا أشك أنه يفنيهم ، ويبددهم عن بكرة أبيهم ، وحيث يمتنع عليه بجاه جنابك جانبي ، ينتقم لسوء طويته من حشمي وأقاربي ، لأن سدا هذه الملاحم أنا ألحمته ، وفي مضائق البلاء ومآزق الانكسار أنا أقحمته ، وعلى كل حال فلا يطيب على قلبي أن يساكنوه ، وكيف يهنأ لي العيش وأصدقائي مجاوروه ، فإن اقتضت الآارء المنيره ، إرسال قاصد إلى تلك الأماكن والقبائل الكثيرة ، صحبة مرسوم شريف ، وأمر عال منيف ، باستمالة خواطرهم ، وتطييب قلوب قبائلهم وعشائرهم ، والأمر بتر حالهم ، وترقيح « 2 » حالهم ، فنكون جميعا تحت الظل الشريف ، في روض عيش وريق وريف ، ونتخلص من هذا الدشت « 3 » ، الخلق الدست ونقتضي ما مضى من الأعمار ، ونقضي الباقي في جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * فالرأي الشريف أعلى ، واتباع ما يبديه بالمماليك أولى ، فقال له تيمور : أنت عذيقها المرجب وجذيلها المحكك « 4 » ، ومع وجودك أنت من يسلك هذا المسلك ، فقال : بل كل الأنام عبيدك ، وتابع مرادك ومريدك ، ومن تراه لشيء أهلا ، كان كل حزن عليه سهلا ، فقال : بل أنت أولى بهذا الأمر ، فكن ضمينه ، إذ لا يفتى ومالك في المدينة ، فقال : أضف إلي واحد من الأمرا ، ليكون لي عليهم وزرا ، مع مراسيم شريفه ، بما تقتضيه الآراء المنيفة ، فأجابه وقضى مراده ، وأضاف إليه من أراده ، فقضيا مآربهما ونجزا ، ونحو مطلبهما تجهزا .
--> ( 1 ) - أي عبروا المفازة وابتعدوا ( 2 ) - إنه ليرقح معيشته : أي يصلحها ( 3 ) - سورة البقرة - الآية : 25 ، وفي سور أخرى كثيرة ( 4 ) - أي أنت وحدك المؤهل لذلك